أحمد بن أعثم الكوفي
377
الفتوح
لها أبو ذر : ما يبكيك يا أم ذر ؟ قالت ( 1 ) : أبكي لضيعتك ههنا في أرض غربة وأنا امرأة ضعيفة غريبة وأخاف أن أعجز عن أمرك ، قال : لا تبكي يا أم ذر ! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرني أني أموت في أرض غربة ويلي أمري ودفني قوم صالحون ، ولكن انظري يا أم ذر إذا أنا مت فاستعيني بمن يذبح لك شاة من غنمي فاطبخيها والزمي قارعة الطريق ، فإذا مر بك نفر من أهل الاسلام فقولي لهم : هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قضى نحبه ولحق بربه فواروه رحمكم الله ! فإنهم سيلون أمري ، فإذا فرغوا من أمري فأطعميهم الشاة ثم انصرفي إلى المدينة فكوني بها إلى أن يأتيك الموت كما أتاني . قال : ثم توفي أبو ذر رحمه الله ( 2 ) ، فجلست امرأته عند رأسه مغمومة بأمره وقد اصطنعت الشاة كما أمرها أبو ذر ، فإذا هي برهط قد أقبلوا من بيت الله الحرام ( 3 ) ، منهم الأحنف بن قيس التميمي وصعصعة بن صوحان العبدي وخارجة بن الصلت التميمي وعبد الله بن مسلمة التميمي وبلال بن مالك المزني ، وجرير بن عبد الله البجلي ، والأسود بن يزيد بن قيس النخعي وعلقمة بن قيس بن يزيد النخعي ، وتاسع القوم الأشتر واسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي . قال فنظروا إلى امرأة قاعدة على قارعة الطريق فظنوا أنها متعرضة لمعروفهم ، فلما دنوا منها وثبت قائمة وقالت : يا هؤلاء ! هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قضى نحبه ( 4 ) ولحق بربه وقد عجزت عن أمره وما أدري ما أصنع . قال : فضج القوم بالبكاء والنحيب ثم قالوا : رحم الله أبا ذر وصلى على روحه ! ثم نزلوا عن رواحلهم وأخذوا في غسله ثم تنافسوا في كفنه حتى جعلوه من جماعتهم ، وأخرج بعضهم حنوطا فحنطه ثم كفن ، وحفرت له حفيرة وصلوا عليه وألحدوه في حفرته . فلما سووا عليه التراب قام الأشتر على قبره فحمد الله وأثنى عليه وذكر نبيه
--> ( 1 ) عند اليعقوبي : إني وحدي في هذا الموضع ، وأخاف أن تغلبني عليك السباع . ( 2 ) وذلك في سنة 32 ه . في ذي الحجة ( البداية والنهاية ) . ( 3 ) في البداية والنهاية 7 / 185 إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه . ( الطبري 5 / 80 - 81 وفيه : ابن مسعود وكانوا 14 راكبا . وعند اليعقوبي : كانوا سبعة نفر فيهم حذيفة بن اليمان والأشتر وانظر الكامل لابن الأثير 2 / 265 ) . ( 4 ) في رواية أنهم حضروا موته ( البداية والنهاية ) .